تأخذك إلى أعماق الفكر

استهلالٌ في الهُوِيّة والفن والجمال

الجمال هو ذلك الشيء المنفلت، المكتنز فينا والوجود. وليس من الإمكان تبين كنهه الحقيقي بجلاء، غير أننا نختبره فينا وفي أذهاننا دفقًا وجدانيًا تلقائيًا، يغمرنا بلذاذته ويطال ما حولنا. يقول “طوماس الأكويني” إزاء الجمال: “هو ذاك الشيء الذي يَسُرّ عندما نراه…”.

يبدو الجمال أحيانًا في الأشياء.. يسكنها وحدها، يستثير وعينا ومشاعرنا وعقولنا.. ومرةً كأنه يستوطن حواسنا، وينفعل مجتاحًا الوجود حولنا.. وأحيانًا أخرى يبدو مختلجًا يسربل الوجود والإنسان معًا. يقول “كانط“: “الجمال حالة من الوجد والتمتع تقع دون غاية ودون مفهومات”.. وهنا نستحضر الموسيقى، من حيث هي تجسيد لذلك المثل الأعلى للنقاء الجمالي المجرد الخالص..

يبقى الجمال سرًا من أسرار الوجود؛ فالفلسفة، على اختلاف مذاهبها، قديمها وحديثها، تباينت أحيانًا كما تماهت في أخرى إزاء تعريفات الجمال ومفهوماته. لقد تساءل أفلاطون: “أيكون سبب جمال وردة هو شكلها ولونها؟ أم تكون الأشياء جميلة بفضل علة أخرى معقولة مثالية هي مثال الجمال؟”.. أما أرسطو فيجد “الفنّ نظامًا، وهذا يعني بشكلٍ ما الجمال، والجمال ينطوي على تنظيم يستنهض دوافع النفس وطبيعتها الفطرية”. ويرى كذلك، أن الجمال مرتبط أساسًا بمدى الوعي به وإدراكه. والإحساس بالجمال مراتب تتفَتّق عن مستوى ذلك الوعي الجمالي والمعرفي.. أما “شفتسبري” فيعتقد أن “هناك حسٌّ باطنيٌّ مفطورٌ على محبة الجمال، وهذا الحس بالذات هو الذي يدرك الجمال بطريقة بديهية، على غرار البصر في إدراكه تلقائيًا للألوان في الأشياء”..

وقد عرّف القديس توماس الأكويني «الجميل» على أنه: “ذلك الذي لدى رؤيته يَسُرّ، وأنه يسر لمحض كونه موضوع للتأمل، سواء من طريق الحواس أو داخل الذهن ذاته”. (التفضيل الجمالي- عالم المعرفة- عدد267). في هذه الفترة اصطبغت مقاربة الجمال بلون ديني لاهوتي: [… وكانت الجماليات في العصور الوسطى تنبع من اللاهوت (…) وكرست نظريات الجمال والفن تلك تصورًا حول الجمال باعتباره إشعاع الحقيقة أو “شعاع الحق”، ذاك الذي يشع من خلال الرمز الجمالي الفني أو الطبيعي ويعكس وجود الله(…) وكان “القديس أوغسطين” يرى أن الجمال “يقوم في الوحدة في المختلفات، والتناسب العددي، والانسجام بين الأشياء. ولذلك، فالجميل هو ما هو ملائم لذاته، وفي انسجام مع الأشياء الأخرى. وكل جمال في الجسم يؤكد تناسق الأجزاء، مقرونًا بلون مناسب”]. (التفضيل الجمالي- عالم المعرفة- عدد267)

إن تعريفات ومفهومات الجمال تتعدد وتختلف بتعدد واختلاف المدارس وأصحابها من فلاسفة ومفكرين وجماليين… إلخ.

إعلان

أما مفهوم الجمال عند المسلمين، فقد تنوع في تقارب عند كثيرين من الفلاسفة والمفكرين والصوفية. يقول التوحيدي في هذا الصدد ضمن كتابه ”المقابسات“: “فأما الحسن والقبيح فلا بد لهما من البحث اللطيف عنهما حتى لا يجوز؛ فيُرى القبيح حسنًا، والحَسَن قبيحًا، فيأتي القبيح على أنَّه حسنٌ، ويُرفَض الحَسنُ على أنَّه قبيح. ومَناشِئ الحَسن والقبيح كثيرةٌ: منها طبيعي، ومنها بالعادة، ومنها بالشرع، ومنها بالعقل، ومنها بالشهوة”.

أما ابن رشد فيجعل الجمال مرتبطًا بالفضيلة، وبكل ما هو خير ونافع. أما أبو حامد الغزالي فقد جعل الجمال ينقسم إلى ظاهر وباطن؛ ويجد أن جمال الظاهر يرتبط بالحواس، وجمال الباطن يرتبط بالبصيرة. وقد جاء في الإحياء: “الصّورة ظاهرةٌ وباطنة، والحُسن والجمال يشملهما، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر، والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة؛ فمن حُرِم البصيرة لا يدركها ولا يتذوقها، ولا يحبها ولا يميل إليها.. ومَن كانت عنده البصيرة غالبةً على الحواس الظاهرة، كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة”.. أما محي الدين بن عربي فيعتبر الجمال كمال واعتدال، وأن هناك الجمال المطلق الكامل الذي لا يقبل الزيادة، وهو لله تعالى، والجمال النسبي وهو للمخلوقات وعلى رأسهم الإنسان، والكل يقتبس جمالَه من الجمال المطلق.

وأما إخوان الصفا، فيتبنون نظرية الجمال التي تبلورت عند الفيثاغوريين، ويُعَرفونه بأنه التناسق في الكون.

وقد اختَزل ابن حزم الأندلسي تصوره للجمال من خلال ما أورده في كتابه “طوق الحمامة”: “… أما العلة التي توقع الحب أبدًا في أكثر الأمـر على الصورة الحسنة، فالظاهر أن النفس حسنة، وتولع بكل شيءٍ حسن، وتميل إلى التصاوير المتقنة؛ فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه، فإن ميّزت وراءها شيئًا من أشكالها اتصلت وصحت المحبّة الحقيقية”.

غير أن الجمال، في الأخير، يبقى دومًا منفلتًا في طبيعته ونعته. فبقدر ما هو موجود مدرَك في تمظهراته، بالقدر ذاته يغيب متخفيًا كروحٍ  أو سراب. فالإنسان “ملاك ملهم”، طالما يضفي جماله الذاتي المكنوز فيه على الوجود، من حيث هو كيان وآلية متعقلة ووجدانية متكاملة، كيان قادر على الخلق والإبداع، وتنسيق ومناغمة ابتكاراته وحاجاته.. أحيانًا كثيرة، نصنع جمالنا بأنفسنا على مقاساتنا وتوقنا لذلك الاكتمال الذي ننشده ونتوسله في الأشياء الأخرى.. في الغيرية والمحيط..

الخيال والحلم، والتأمل والتدبر؛ معدن للإبداع، والإبداع ولعٌ يستثير مَلاك الجمال ويستحضره، ويتحسس الجميل من خلال الشِّعر والتشكيل، والموسيقى والرقص والغناء، والصورة… إلخ.

انبلج الكون من سديم ظلمة البدء، وظهر الإنسان دومًا، ثائرًا متمردًا، مميزًا بهبة العقل واللسان وحاجته الفطرية الجامحة للإبداع.. وعلى ذلك، كان الفن ومايزال مِعولَه لسبر تلك السرادقات المانعة دون الحقيقة. والفن مرآة استجلاءٍ صقيلة، كثقبٍ في الغيب، تنطبع عليها الماهيات والكينونات الهاربة عن الفكرة. الفن نفق سالك، نافذ بين المرئي واللامرئي.. بين البصر والبصيرة، بين الحرف ومعناه، والممكن والمحال.

الفن هو تلك “الهبة البلسم” من السماء، بعد المرأة.. وقبلهما الحب.. الذي بمقدرته ونفاذ سلطته التصدي للموت والفناء والنسيان، بالخيال والجمال والأثر. إذ وحده الفن من يستطيع خلق مرايا لاستجلاء ذلك الجمال الأزلي، ورسم خرائطه والسبل الإيمائية لاستشرافه.. وحده الفن، يمدنا بالمفاتيح التي تفضي إلى الفكرة والمعرفة، ويهدينا الحروف والألوان التي بها تكتمل الذات وتترتق تشققاتها وخرومها، تلك الجروح الغائرة في الكيان والنفس.

الفن يستدرج المعنى من خلف ما يُرى، ومن بين الظلال والرموز والممنوع.. إنه يُهدينا كذلك، أسباب الاندهاش والانبهار، ونحن نستكشف من خلاله أنفسَنا من جديد، ونتعرف على الأشياء والألغاز من زوايا لا يقوى على النفاذ إليها واستكشافها والمسك بأسرارها، سوى الفن.. وحده الفن لا غير.. هكذا كما يقِيمنا الفن في حيّز الحقيقة والمتعة، يقيمنا كذلك، وفي نفس الآن، في حيز المتناقضات والوهم.. وبالقدر الذي يمنحنا الفن النشوة في لذاذة ذهنية وبصرية متناهية، يجعلنا كذلك نتحير ونضيع حين ينغلق أمامنا الأفق فيه، أفق الرؤية والتأويل، وتستشكل علينا المسالك والملغزات ونتيه في متاهاته.. الفن يمدنا بالحرية والانطلاق دونما قيد، ويهدينا الإمتاع والجمال، كما يستدرجنا، في نفس الآن، للحيرة أمام فواجعنا وخيباتنا والخراب الذي فينا، ويستنهض هواجسنا للسؤال وطرق أبواب المجهول في الأشياء وفينا، واستيضاح الفكرة من بطن ضباب الوهم وغبش التقليد..

الهُوية وتد الذات، الفردية والجمعية معًا، ملاذهما العتيد، وأسّ صرحهما ومحور ثوابتهما. وبدون هوية، سقوط في التيه والدوار والغربة، وشتات وانشطار في النفس والذاكرة، وضياع وجهة الانطلاق.. تمايزت حضارات الأمم والمجتمعات بهوياتهم، الفكرية والمعرفية والثقافية والفنية والمعمارية..

الهوية تمد الوجود بوجودها، وتكرس الأنا والــ”هُنا”، وتعضد جدواهما. الذات أنت، ففقدك لهويتك استئصال لجذور ذاتك والعروق، وانتفاء بصمة التعرف عليك، وعن معناك وإياها؛ إذ يعني ذلك أن تغور في اليتم وتتوغل في النسيان، مثلما الحَرف يُنتزع من الكلمة، ليغدو مغتربًا فاقدًا لمعناه، وفي الحين يُبتر في الكلمة معناها وأهليتها وشرعيتها.. هويتك، بها يتم التعرف عليك، ومن خلالها تتمايز وتتواصل مع الآخر الوافد، وتتلاقحان عبر مختبر الاختلاف والتفاعل توقًا للتكامل والإثراء والتطور..

لكن رغم ما تبدو عليه الهوية من أهمية، ومن جليل القدر والمكانة في ترسيخ “الأنا” والـ”هُنا”، وتوطيدهما وجوديًا وحضاريًا، لا تفتأ الهوية (فضلًا عن مفهومها) تعترضها مخاطر مصيرية، تتهددها بالانتكاس والتحلل والاندثار؛ ذلك جراء اجتياح “المعاصرة العولمية” للعالم، والتوحد المعرفي والثقافي الكوني..

من الطبيعي أن يكون لكل فن خصوصياته وتميزاته الذاتية المشَكّلة لهويته الجمالية، تلك التي يستمدها من البيئة الاجتماعية الحضارية بكل روافدها المختلفة: التاريخية والثقافية والمعرفية والتربوية والدينية والجغرافية… إلخ. تلك البيئة التي تَخَلّق ضمنها وترعرع.. حيث بمائها ارتوت منه الجذور، وتغذى مِن/ وفي تربتها وتشبع بروحها، كما انصبغ بصفاتها وملامحها.. هكذا يبدو التشكيل يكتنز، بامتياز، نعوت بيئته والفنانين، ممتلئًا بسيماء وجوهر الكينونة الفكرية والمعرفية والحضارية لهؤلاء جميعًا. كما يقدم مستشرفًا ممكنات السعادة والاكتشاف، ومستلهمًا الأسئلة، يستدعيها والإجابات..

الهوية في الفن (ونقصد التشكيل) رافدُ أساس من الروافد المبلورة لهوية المجتمع وأصالته، ومرآة جمالية للتعرف عليه وعلى ذاكرته وتراثه وتاريخه، واستكشاف دأب الأسلاف في تعقب الجمال وممارسة فنون استعراضه واستحداثه..

فكلما أمسى الفن خالصًا وأصيلًا، شكل درعًا واقيًا يستميت دون تبدّد وتبديد الهوية الجمعية، وبالأحرى الفردية: هوية الفنان ذاته.

حين يكون الفن والفنان أصيلين يشكلان حينئذٍ وعيًا سليمًا معافى حاذقًا متفطنًا، ينتصب عاليًا، متميزًا ومتفردًا في شموخ أصالته، قادرًا على احتواء الوجود والجمال بأبعادهما المختلفة.. الفن الأصيل يقاوِم، في ذاته وبيئته، التخمرَ والتآكل بقوة التجدد، يضخ في الموات ما بهِ يغدو حيًا ينبض فوّارًا.. يخصب الوعي، ويُنضج الرؤية ويطرد غموضها بمسحه بالنور والإجلاء.

الإبداع الفني هو التوسل الأبدي للخروج من كهف أفلاطون عبر مرآة، والمرآة تشكلها المصُوغة أو المنجَز؛ أي ما يترتب من أثر عن “الحدث الوجداني والمعرفي الفني”.. فعملية الإبداع تعتمل ضمنها، متواشجة، عوامل وبواعث وجدانية و”ذكائية” ومعرفية، والفنان في جوفها يقود وجهتها، يناور، وينظم قصائدها البصرية الجمالية والفكرية.. فالفنان ها هنا ينسج متوحدًا هويته، ويسبكها ويبلورها، ضاخًا في متنها البصري روحها بروحه، ويشكل كينونتها بكينونته، وملامح تعرفاتها بملامحه وملامح بيئته ومنظومته الحضارية الثقافية والفنية.. الفنان يستقطع “مصوغته” من جوف ذاته ومشاعره وكينونته المعرفية قطرةً قطرة، نبضًا نبضًا، وحرفًا حرفًا.. كأنما ذاته تتخلق من جديد من بين يديه في كنه طارئ، ويستعرض الأسئلة ويستشرف الممكنات.

الفنان من بطانة الفيلسوف، غير أنه يفكر الأشياء ويتفلسف مشتغلًا بالشكل واللون والضوء والخامات.. فالفنان التشكيلي مسبار نافذ، يتفاعل بغريزته للخلق مع الأشياء والأحداث والوجود، والجمال والقبح.. يسائل ويستجلي الخبايا ويستشرف المآلات.. يستثير الفكرة والبديهي والموجود، يتجاوز الحدود والموانع صوب أعتاب تلك الحقائق المتمنعة المسربلة بالألغاز والأسرار.

لكل فنان تشكيلي مسربه الفني المخصوص، نسقه وأسلوبه، يحملان بصمته التشكيلية الذاتية، شكلًا ومضمونًا: الفنية والإبداعية والفكرية والمعرفية والسيكولوجية… إلخ. وهي بصمة وُسِمت وتشبعت بكل تلك الروافد الثقافية ضمن موطنها المجتمعي الأصل، أي من حيث ينحدر الفنان. كما أنها، بشكل ما، تأثرت واستفادت من خصوصيات المعارف الغيرية بحكم تثاقف وتلاقح حتمي.. والبصمة تلك، هي التي تحدد ملامح التعرف على الفنان وعلى انتمائه، ومن خلالها يتميز الفنان التشكيلي عن غيره من الفنانين، وبها يتوحد، وبالأحرى ينسكب تميزه ذاك ليشمل موطنه، هو الآخر، ويبصمه.. البصمة الفنية “توقيع وجود فرداني”، يتبدى جليًا من خلال خصوصيات الألوان والأشكال والبنيات، واختيارات الموضوع وطريقة اختبارها (القضايا والإشكاليات التي تستهدف مساءلتها ومقاربتها عملية الإبداع)… إلخ. فالقضايا تتباين وتتنوع بتنوع الأوساط: ثقافيًا ومعرفيًا وجماليًا وسياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا… إلى غير ذلك. فمنجز الفنان موقف ذاتي إزاء الأشياء، وإزاء منظومة الحياة وتجلياتها وتمظهراتها ومخاضاتها المتنوعة..

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد كريش

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.