تأخذك إلى أعماق الفكر

الوجه الآخر للعشوائيات

أزقة الذاكرة.. ذكريات الفافيلا

عالمان يعيدان السؤال حول حقيقة العدالة في هذه الحياة، ومشروعية الأحلام، حتى الأحلام قد يدفع التمرد ثمنها غالياً. لكن جريمتها تلك لم تمنع أهل الفافيلا من التعاطف معها، فالجميع ممن يعملون، أو من السوقيين واللصوص، والكسالى، كانت ظروف الحياة واحدة بالنسبة إليهم: العوز، على اختلاف درجاته وتفاوتها.
لا يمكن لوم هذه الفئة دون دراسة الشرط الوجودي والمجتمعي الذي قادهم إلى ما أصبحوا عليه والعمل على تغييره. وأن يتحمل المجتمع مسؤوليته الأخلاقية لتحسين ظروفهم المعيشية.

دفاعا عن الجحيم

أزقة الفافيلا التي تشبه الجحيم

ما الذي يدفع بسكان الفافيلا إلى رفض مغادرة أكواخهم البائسة؟ ما الذي يجعلهم يتشبثون بقعر الجحيم هذا؟

إنه الخوف، الخوف من المجهول، من التغيير، من المستقبل وما يحمله من مفاجآت، الخوف من أن يكون الغد أسوأ بكثير من اليوم، الخوف من أن يدركوا ضعفهم وانحطاط شأنهم.
وهذا ما يدفع شعوباً لتحمل الطغاة عقوداً خوفاً من التغيير. حتى وإن لم تكن حياتهم سوى ضرب من الجحيم في ظله.

باتت الجرافات التي جاءت لتهدم أكواخ الفافيلا وحوشاً تتربص بأهالي الأزقة، وهذه التعويضات التافهة لن تزيدهم إلا بؤساً، مشهد الجرافات وهي تهدم الأكواخ يذكرنا بمشهد إحراق زرايب العبيد في رواية ” زرايب العبيد“، حين التهمت النيران تلك العشوائيات بمن فيها.
في مشهد تراجيدي، يلهو العمال الأطفال بهذه الجرافات، لتجتث في طريقها عشرات الأكواخ، وتحصد العديد من القتلى. ويصاب أحد الأطفال بشلل كامل حين اصطدم بإحداها وهي متوقفة. هل هناك مشهد أكثر تراجيدية من أن يتسبب أحد بالسوء لنفسه ولمن حوله فيما هو يلهو؟

حين تكتب النساء عن العبودية

معاناة النساء في العبودية

يحضر هم الأمومة في الروايات التي تكتبها النساء عن العبودية، ففي روايتنا هذه، تقص ماريا الكبرى مشهد تعذيب الأم التي انتزعت منها طفلتها، فيما الطفلة تبكي، وتزعق، قرر الأسياد بيع الأمة السوداء!
يقص بوندادي حكاية الطفلة نازينينا التي باعتها والدتها لقاء رزمة من النقود، عسى أن تضمن لها والدتها مستقبلاً أقلّ من الفقر والحرمان الذي هم فيه.

في رواية “زرايب العبيد” للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان يتكرر المشهد بدموية أبشع، إذ يموت الرضيع جوعاً، أثناء حبس أمه وتعذيبها، وتغطي دماؤها من أثر السياط وجه الرضيعة.
بينما اختارت الكاتبة الكاميرونية ليونورا ميانو في روايتها “موسم الظل” أن تصف فجيعة الأمهات اللاتي خُطف أطفالهن من أحضانهن للبيع رقيقاً.
لا تلغي العبودية حق النساء في الأمومة فحسب، بل تحرمهن حق امتلاك اجسادهن التي تتحول إلى أداة لمتعة أسيادهن.

إعلان

بين الواقع والخيال

يتحدث غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان عن مفهوم المكان في ذاكرتنا، فنحن نعيد تشكيل المكان وفقا لذكرياتنا الخاصة به، نضفي عليه أحاسيسنا، ما خلّفه فينا من أثر.
يتجاوز المكان والبيت مفهومه بأبعاده الهندسية، ليحمل معه شيئا من ذاكرتنا.
لذا كانت الرواية جولة في أزقة ذاكرة الكاتبة، لا في أزقة الفافيلا بشكل مطلق. فالصورة التي تستحضرها الكاتبة عن تلك الأماكن، تنتصر فيها للمهمشين والمومسات، لتحتفي برجال ونساء تراكموا في داخلها كما تتراكم أكواخ الفافيلا، في محاولة لعرض صورة مغايرة عن الصورة التي اعتاد الجميع رؤيتها، كبؤرة للجريمة والانحلال، حاولت أن تتحدث بصوت الضحايا، الصوت الذي طالما تم تجاهله. في فافيلات البرازيل، وعشوائيات المعوزين في شرقنا.

هذه الرواية دعوة للأمل، فالكاتبة التي كانت تعمل خادمة في عمر الثامنة قد استطاعت بعلمها أن تنتشل نفسها من بؤس الفافيلا، وتصبح دكتورة جامعية تُدرّس كتبها، لم يعقها التمييز العنصري الذي تعرضت له في المدرسة في طفولتها.
قد تكون دعوتها مبالغة في تفاؤلها، في نظر البعض، لكن كما غنت سيليا كروز:

لكل من يعتقد أن هذا. لن يتغير أبدا
عليك أن تعرف أنه ليس كذلك
وكل شيء يتغير
الحياة كرنفال.

*Maafa : لفظة باللغة السواحلية وتعني، المحرقة، أو الكارثة الكبرى. في إشارة إلى كارثة تجارة الرقيق
 في افريقيا، واستعباد أكثر من ١٧ مليون افريقي فيها.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: رائدة نيروخ

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.